مرحبا بالضيف ( دخول | التسجيل )


« الموضوع: جاوبيني » ( بواسطة : عدنانكو | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 12)     ::     « الموضوع: لن نطفىء السراج » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 17)     ::     « الموضوع: أيها الصائم استأنف عملك ...رسالة بعد رمضان » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 17)     ::     « الموضوع: العلفي .. آعلام يمانيه ..( الثوآر )هذه الشخصية شخصية فذة قدمت للوطن الكثير » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 25)     ::     « الموضوع: الحظ الوافر في إدراك مفاخر العشر الأواخر » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 26)     ::     « الموضوع: كيف تربح المال من استخدامك اليومي للانترنت شرح كامل ووافي » ( بواسطة : المحاسب | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 26)     ::     « الموضوع: أعـظـم لـيـلــة..! » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 21)     ::     « الموضوع: عن فيروز.. التي رأيتها في المنام » ( بواسطة : الحوووت | المشاركات: 1 | عدد القراءات: 44)     ::     « الموضوع: معالم في العشر الأواخر » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 41)     ::     « الموضوع: وقفات متفرّقة وهامة مع ليلة القدر » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 33)     ::     « الموضوع: وجاءت العشر » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 37)     ::     « الموضوع: العشر الأواخر>> » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 32)     ::     « الموضوع: خصائص عشر الأواخر من رمضان » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 65)     ::     « الموضوع: اتغير و اتخير » ( بواسطة : راجي الجنان | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 56)     ::     « الموضوع: همسات العشر تقول .. » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 55)     ::     « الموضوع: الاعتكاف وحلاوة الخلوة » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 59)     ::     « الموضوع: وَفُـتـِّحَت لكم أبواب الجنة فهل أنتم مُـقبلون!؟ » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 63)     ::     « الموضوع: نبذة تعريفية عن محافظة ذمار » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 81)     ::     « الموضوع: شاركوا معنا في برنامج تغيير x تغيير » ( بواسطة : راجي الجنان | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 74)     ::     « الموضوع: أيها المسلمون اغتنموا رمضان قبل فوات الأوان » ( بواسطة : شاطئ الوفاء | المشاركات: 0 | عدد القراءات: 66)     ::    

الملف الشخصي
صورة العضو
التقيم
 
الخيارات
الخيارات
الإعلان الشخصي
أبوعبدو لم يقم بكتابة أي إعلان .
معلومات شخصية
أبوعبدو
عضو جديد
العمر غير محدد
الجنس غير محدد
إسم البلد غير محدد
تاريخ الولادة غير محدد
الهوايات :
لا توجد معلومات
الإحصائيات
الإلتحاق بتاريخ: 12/12/09
عدد مشاهدة الملف 216*
آخر تواجد في : 25 يوليو 2010 - 12:11 ص
التوقيت المحلي: 7 Sep 2010, 01:00 PM
7 المشاركات (0.03 :المشاركات باليوم)
معلومات الإتصال
AIM لا توجد معلومات
Yahoo لا توجد معلومات
ICQ لا توجد معلومات
MSN لا توجد معلومات
* يتم تجديد عدد المشاهدات كل ساعة

أبوعبدو

أعضاء المنتدى

*


المواضيع
الردود
التعليقات
الأصدقاء
المحتوى
25 يوليو 2010
غاية الحق من إيجاد الخلق

لا بدَّ أن كل إنسان وعـبْر فترات عمره قد دارت في خلده أسئلة كثيرة، فهو منذ طفولته ومع بداية إدراكه وتمييزه يسأل عما يراه. فقد يسأل الطفل إذا نظر إلى السماء مثلاً، لماذا تلمع هذه النجوم؟. وأين تذهب الشمس في المساء؟. ومن أين تجيء الغيوم؟. إلى غير ذلك من الأسئلة.

إلهامات وتساؤلات

ومع نمو إدراك هذا الطفل تكثر أسئلته، طالباً من خلالها التعرف إلى هـذا
الكـون، وهكذا.. إلى أن يتجـاوز في تساؤلاته حدود هذا الكون المادي، فينتقل إلى مجال آخر ؛ فيتساءل عن موجد هذا الكون؟!. وأين هو؟!. وما غايته من إيجاده؟!. فحب الاستطلاع من أسس طبائع الإنسان، فما حقيقة تلك الأسئلة؟. وما مصدرها؟. قد تظهر وكأنها منبعثة من نفس ذلك الطفل، إلاَّ أن الحقيقة غير ذلك، فهذه الأسئلة كلها موجَّهة من الله عن طريق ملائكته لهذا الطفل، على شكل صوت خفي ينبض في قرارة نفسه، علَّها تقوم بتحريض هذا الإنسان ودفعه للبحث عمَّا خُلِقَ من أجله. فمن أجل أي شيء خلق هذا الإنسان؟. وهل صحيح أن هذا السؤال لا جواب له؟.
أم هل خُلِقَ من أجل مأكل ومشرب وزواج أو غير ذلك من شهوات؟.
حتماً ليست هي الغاية التي خلقتَ من أجلها .. فكلُّ ما هو دونك من المخلوقات والحيوانات تحصل على مثل هذا، وهي أوفر حظاً منك بالحصول على تلك الشهوات والتمتُّع بها.. فإن كانت الغاية للأكل والشرب، فالبقرة مثلاً تأكل عشرات الأرطال من طعامها.. بلذة وشهوة ونَهَم، فأي إنسان مهما بلغ هل يسبقها بالطعام؟!.
وإن كانت الغاية النكاح، فالطيور أسبق منه بكثير، فأيُّ ديك عنده الأعداد الكثيرة وقد تصل للعشرات من الدجاجات، وكذا كساء الطيور وأرياشها فهي ذات جمال منقطع النظير كالطاووس مثلاً بما حوى من روائع الخلق ،ما يغنيها عن علوم البشر ومصانع نسيجِه وصنع الملابس وما إليها من تعقيدات الحضارة ومدنيتها، وَلخلَق الله البشر على نهج الطيور الفتانة الرائعة الجمال دونما جهد ونصب لتكاليف الحياة المعقدة المرهقة، ولكفاه كما يكفي تلك الطيور الراقية البديعة التي تشدهُ العقول وتسبي القلوب، تغدو بالصباح خماصاً وتعود بالمساء بطاناً بلا جهد ولا عمل مضني.
فما الغاية التي جئنا بها إلى الدنيا إذن؟.
قيل: خلقنا الله من أجل عبادته، والدليل قوله تعالى :
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات
صحيح هذا، ولكن هذا الجواب للبعض هو سؤال في حــدِّ ذاتــه
لماذا خلقنا الله وأمرنـا بعبادته؟.
فلم خلقنا هل لأنه إله وينبغي للإله أن يكون لديه من يعبده؟. وهل هو تعالى بحاجة لعبادتنا؟.
أم أنه خلقنا وأمرنا بالعبادة ليذيقنا صنوفاً من المشقات من أوامر ونواه!. حتماً ما كانت الغاية لا هذه ولا تلك، وحاشا لله أن تكون كذلك. فإن كمال الله وأسماءه الحسنى تتنافى وهذه الغايات، فالله تعالى غني عنّا وعن عبادتنا.
إذ يقول تعالى: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} (57) سورة الذاريات
الحديث القدسي الشريف: « يا عبادي: لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلّ إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلاَّ كما ينقص المخيطُ إذا أُدخل البحر..»

غاية خلقنا

إذن غاية الحق من إيجاد الخلْق أن يعـمل الإنــســان المــعـروف
يؤمن بالله ورسوله ؛ ويصبح صاحب بصيرة يرى الخير من الشر ؛ فيعمل الخير، فيسعد في دنياه ويلقى ربه بعد موته بوجه أبيض، فيخلد في جنَّاته بالغبطة الأبدية.

إليك بيان ما كنتُ قد قدَّمت له فأقول:
كان الله ولم يكن معه شيء ؛ فلا أرض ولا سماء ؛ ولا قمر ولا نجوم ؛ ولا غير ذلك من مخلوقات.
فمهما قلتَ أول، فهو أول وأول، وليس لوجوده تعالى أول، ولا شيء قبله.
{هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3)سورة الحديد

الغاية من خلقنا

وقد أراد الله وهو معدن الجود والإحسان، والرحمة والفضل والحـنـان، والجـمـال والــعـظمـة والجلال، وما إليها من الأسماء الحسنى الدالة على الكمال، أراد تعالى أن يخلق المخلوقات ليذيقها من رحمته، وليغمرها بفيضٍ من برِّه وإحسانه.
وإن شئت فقل: أراد تعالى أن يخلق المخلوقات ليغمرها بذاته، حتى تسبح متنعمة في شهود جماله، وتتمتع مستغرقة في رؤية كماله.
وفي الحديث القدسي الشريف: « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق وعرفتهم بي فبي عرفوني » قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات الآية: (56). وقد وافق على صحة الحديث الشيخ علي ملا القاري مستنداً إلى تأويل ابن عباس رضي الله عنه لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} : أي: ليعرفوني. وقد اعتمده الصوفية وابن عربي وبنوا عليه أصولاً.
والمراد بالكنز هنا: هو ذلك الجمال الإلهي العظيم، والكمال العالي الرفيع. ومعنى المخفي: أي الذي لا يعرفه أحد.
فأحببت أن أُعرف: وذلك من كرمه تعالى وكبير فضله، لأن من شأن الكريم أن يظهر كرمه وفضله، ويفيض برَّه وإحسانه.
فخلقت الخلق: ليتمتعوا بشهود ذلك الجمال الإلهي، وليستغرقوا في رؤية ذلك الكمال الذي لا يتناهى. وهي تشير هنا إلى إيجاده تعالى المخلوقات في ذلك العالم الذي يسمونه عالم الأزل.
وعرفتهم بي: أي عن طريق رؤيتهم لأنفسهم، توصَّلوا لمعرفتي، فتمتعوا برؤية ذلك الكنز العالي، إذ شاهدوا طرفاً من جمالي وكمالي: كان ذلك كله قبل مجيئنا إلى الدنيا.
هذا، وسبب الخروج إلى الدنيا هو أن وقوف هذه المخلوقات عند درجة واحدة من الرؤية للجمال والجلال الإلهي الذي شهدته، يجعلها فيما بعد تملّ الحال الذي هي فيه، مهما كان عالياً، ولا بدَّ لها حتى يكون النعيم والفضل تاماً من أن تترقى في الرؤية من حال إلى حال أعلى، بصورة جديدة كل الجدَّة ولا تتناهى. وتقريباً لذلك من الأذهان نقول:
لو أن رجلاً يجلس في مزرعة فاتنة جميلة لم تر مثلها العين، وظل مقيماً فيها أمداً طويلاً .. فلا شك أنه يملّها، ولا يعود يرى بعد حين ما فيها من متعة وجمال، ولا بد له حتى يدوم له النعيم، من أن ينتقل إلى بستان جديد آخر أجمل مما هو فيه.
الملل

ولا شك أن الملل يتطرَّق إلى النفوس فهي بطبيعتها تملّ دوام الحـال الواحـد.. حـتى أنهـا تملّ تكرار ودوام الأصوات والأنغام الطروبة، بل والمآكل الفاخرة بتكرارها، وكافة المشتهيات المتكررة بذاتها.
وحيث أن المخلوق لا يستطيع أن يترقى في رؤية الجمال الإلهي من حال إلى حال أعلى، إلاَّ إذا كانت له أعمال طيبة تجعله واثقاً من رضاء خالقه عنه، وتكون له بمثابة مدارج يستطيع أن يتقرَّب بها إلى الله تعالى زلفى، لذا منحنا تعالى حرية الاختيار لنكسب الأكثر، وأخرجنا تعالى إلى هذه الدنيا لنصبح أولي بصيرة نميِّز الخير من الشر، والغثَّ من الثمين، والعمل الدنيء من الأعمال الإنسانية السامية، والباقي من الزاهق الفاني، فننطلق فعل الخيرات لذا أرسل لنا رسلاً وأنبياء، أدلاَّء على الحق، ولنخضع لأوامره الخيِّرة لنا، برؤيته تعالى التي تديم نفع ما نطبِّقه أبد الآباد في الحياة وبعد الممات، فننفع عباده الذين يحبهم تعالى كما يحبنا، لأنه هو أوجدهم وخلقهم ونمَّاهم.. وبأعمالنا الطيبة، لهم يرضى عنَّا، فحين ننتقل إليه تعالى إثر انتهاء آجالنا، فإنما ننتقل بوجه أبيض بأعمالنا الطيبة فنُقبل عليه تعالى، ونتمتع بجناته اللانهائية من جنة لجنة أعلى وهلمَّ جرَّاً، مرتكزين على الثقة بما قدّمنا من أعمال عالية طيبة، تتكرَّر بالآخرة أمامنا، فتكون بمثابة مدارج لمعارجنا بالجنّات.
إذن: فالله تعالى خلق الإنسان لفعل المعروف وعمل الإحسان، وتلك غاية وجودنا إن آمنا به تعالى، فصرنا أولي بصائر نرى الخير ونعمله، ونرى الشر فنتجنبه، فهو مانح وخالق كل فضل ونعمة وإحسان، وما هذه الدنيا بذات قرار، فكل من عليها فان، ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام.
الشدائد وخيرها العظيم
ليس هناك من قوة معنوية تصد الإنسان عن تطبيق أوامر خالقه، وليست هناك موانع تحول بينه وبين الإذعان والتصديق.. وإن مثل هذه الاعتقادات تتنافى مع صحيح الإيمان، ولا تتوافق مع رحمة الله تعالى وعدله ورأفته بهذا الإنسان. ولو كانت هناك موانع، لما كان ضرورياً التضييق على الإنسان وسوق الشدائد والمصائب، بل لكانت هذه الشدائد والمصائب نوعاً من العبث، وحاشا لمبدع السموات والأرض، وفاطر الإنسان وموجد الكون على هذا النظام، أن يعبث بالإنسان، ذلك المخلوق الضعيف، ولا يصدر من هذا الرب العظيم إلاَّ كل كمال وخير.
قال تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ}،{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } (17- 18) سورة الأنبياء
إذاً فهذه المعالجات كلها من الله تعالى حق، ولها أهدافها وغاياتها.. ويتلخَّص جوابنا على قول من قال: " ماذا تفيد الشدائد في هذا الإنسان ما دامت نفسه لا تطهر من الأدران، ولا ترتد عما هي عليه من طغيان"؟.. بما يلي:
حب الدنيا رأس كل خطيئة

إن السبب في عدم رؤية الحقيقة هو حب الدنيا: إذا أحب الإنسـان الدنيـا، فـإن نفـسـه لا تتذكر إلاَّ ما تعي من محبتها، ولا تفقه إلاَّ ما تحتوي منها، فهي عندما يمَّمت شطر الدنيا.. اختزنت من الشهوات بقدر توغلها فيها، وغدت لها غطاء، فكان هذا الغطاء بمثابة حاجز يمنعها من سماع الحق. لذلك فحينما يلقى عليها شيء من الحق فلا يكون له وقعٌ فيها ولا تهشًُّ له، لأنها لم تسمع منه شيئاً لالتفاتها لِمَا فيها، وبالتالي لا تفقه منه حديثاً:
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}،{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } (45-46 ) سورة الإسراء
ما دامت النفس متعلقة بالدنيا وشهواتها، معرضة عن خالقها،وعن الوجهة إليه، لا يمكن لها أن تطهر من أدرانها وانحرافاتها وشذوذها بوجه من الوجوه، فلا سبيل لطهارتها إلاَّ بإقبالها على خالقها وموجدها، وذلك بعد التوبة النصوح.

تحويلات آنية ليؤمن

أما المرض والفقر، والشدائد والمصائب، فإنما هي وسائل تـقـطع النـفــس عن الـدنــيــا، وتصرفها عن شهواتها، وتجعلها في شغل شاغل عنها، فلعل هذا الإنسان حينما ينقطع عن الدنيا بسبب شدة من الشدائد التي حلَّت به، ينيب إلى ربه ويتعرف إليه، وهنالك تتفتح أمامه سبل الإيمان، من بعد أن رفعت الشدائد من طريق النفس ما كان يعترضها من حواجز الشهوات .
المؤمن لم مج ومقت لذائذ الفجور

فإذا صدقت النفس بطلب الحقيقة والحق، بعد أن مجَّت أساليب الغش والمكـر والنفـاق والخداع لأهـل الدنيـا، فأعرضتْ عن الدنيا وزينتها وزخرفها الغرَّار، وعن لذَّتها الكاذبة الغَرور، فطلبت كما ذكرنا الحق المجرَّد والحقيقة، فقد توصلت النفس إلى الإيمان، وأريد به: الإيمان بلا إله إلا الله، وتحققت به، فما أقرب وصولها إلى الطهارة، وما أيسر وما أهون الوصول إلى الكمال، فلا حاجة والحالة هذه لشدائد ومصائب وبليات، بل تنال سعادة تتلوها سعادات، فهي بأمان من غدرات الزمان، واطمأنت لمستقبلها الأبدي السرمدي بالله مَنْ آمنت به، ووثقت به واتكلت عليه، مَنْ بيده الزمان والمكان، والمستقبل الدائم في النعيم والغبطة الأبدية، مادام هذا الإنسان على استقامة، فأولئك هم الفائزون، وتلك لأيم الحق الحياة الراقية بأسمى مراميها. كل امرئ منّا، لا بل كل إنسان ذو وعي وإدراك، إذا ألمَّ به مرض من الأمراض، أو نزلت به مصيبة من المصائب، تراه في مثل هذا الحال يعاف الدنيا ويكرهها، ولا تعود تخطر له شهواتها على بال، ولكن هل زالت الشهوات من هذه النفس بالكلية يا ترى؟. . هل طهرت من أدرانها؟. . سيكون الجواب على هذا السؤال نفياً!.

الحكمة من المصائب

فالمصائب أخمدت الجرثوم ودوَّخته وسترت العلَّة ستراً آنـيـاً،ومـا هـذه الكــراهية الــتي حـلـت بالنفس تجاه الدنيا وشهواتها إلاَّ كراهية مؤقتة، قد لا تدوم طويلاً، فإذا لم تغتنم النفس الفرصة، وإذا هي لم تتعرف إلى الله تعالى، ولم تؤمن به من بعد الشدة، فما أسرع ما تعود الشهوة وتظهر في ساحة النفس من جديد، حتى أن ظهورها قد يكون أكثر وضوحاً ،وفتكها في النفس أشدُّ خطراً. ولذلك وتلافياً للأمر واغتناماً للفرصة، يجب على الإنسان إذا هو أصبح في حال الأمن بعد الخوف، والصحة بعد المرض، والرخاء من بعد الشدة، أن يبادر إلى التعرُّف إلى ربه الذي لم يجد ملجأً إلاَّ إليه، وموئلاً ومنجياً سواه.

فتح طريق الإيمان

يجب على الإنسان وقد استجاب له الله دعاءه، فبدَّله من بعد خوفه أمناً، ومن بعد مرضه صحةً وعافية، أن يسلك طريق الإيمان، وما أيسر هذا الطريق في مثل هذه الحالة. فالفرصة عظيمة، إذ النفس انضمت إلى الفكر، وأضحت سبل التفكير مذلّلة ميسّرة فيجب اغتنامها.

طهارة النفس

وهكذا.. عندها إذا فكَّر الإنسان باحثاً عن الإيمان بلا إله إلا لله بصـدق، بالـنظــر بـالآيـات الكونية وخلقه الجسدي، مَنْ خلقه ؟!. سرعان ما يصل وهو في مثل هذه الحالة إلى ذلك المطلب العالي، فلا شك أن إيمانه هذا يجعله في حصن الاستقامة الحصين، فحيثما اتجه، وأنّى أقبل يرى الله تعالى شاهداً رقيباً، وتولِّد هذه الاستقامة لديه ثقة من رضاء الله عنه، فيقبل عليه تعالى، بوجهه الأبيض ويصلي الصلاة الحقيقية، وبهذه الصلاة، وبذلك النور الإلهي الذي شاهده، تطهر النفس مما علق بها من جرثوم الشهوات الخبيثة، وينقِّيها ربها بنوره من أدرانها، تنقية متناسبة مع إقبالها.

الغاية من الشدائد

أما وقد بيَّنا طريق الطهارة النفسية الصحيحة، وعرفنا المراد الإلهي، والـرحمة الإلهـية فـي سوق البلاء والشدة، اعتقد أنه أضحى من اليسير فهم بعض المراد من قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (21) سورة السجدة
وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (41) سورة الروم
وبعض المراد من قصة أصحاب الجنة التي أوردها تعالى في سورة القلم، مبيناً فيها أن البلاء الذي أصاب أولئك المزارعين الذين تحدثت عنهم تلك القصة، كان سبباً في رجوعهم إلى الله تعالى، ورغبتهم إليه، مما عقَّب تعالى بقوله الكريم : {كَذَلِكَ الْعَذَابُ ..} (33) سورة القلم.
يريد تعالى بأن يعرِّفنا بأن الغاية من العذاب رجوع الإنسان عن غيِّه ورغبته إلى ربِّه، فيرجع الله عليه إثر هذه التوبة والإيمان، بالصحة والجاه والعز والمال لينفقه في وجوه النفع الإنساني، والخير للمعوزين، فيرقى دنيا وآخرة. قال تعالى: {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} (147) سورة النساء
وإن لم يكتسب الفرصة، ففرح بانكشاف الغمة، وعاد من بعد المصيبة والشدة، إلى الانغماس في الشهوات والملذَّات، وارتكاب المحرمات، فبشِّره من بعد هذه المصيبة بمصيبة أكبر، وشدة أعظم. وما تزال المصائب تترى متزايدة في الشدة كي يرجع ويتوب، أو يموت إن بقي مصرّاً على البغي والإعراض، وقد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. قال تعالى :
{...وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (31) سورة الرعد .
والحمد لله على كل حال، فهو الذي بيده الخير فقط، ولا هادي سواه.
والصلاة على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أرسله هادياً للخلْق، ورحمة للعـالمين
هذا البحث من ثنايا علوم العلامة الكبير محمد أمين شيخو


25 يوليو 2010
السيد المسيح رسول السلام يلوح بالأفق للعودة



هل حقاً سيظهر السيد المسيح ثانية، ومن سيناصر: اليهود، أم المسيحيين، أم المسلمين؟.

وهل سيأتي بإنجيل ثاني غير الإنجيل السابق؟ أم على القرآن سيبنى الحق؟

ـ اليهود يؤمنون ويقولون بأن السيد المسيح الحقيقي سوف يظهر حتماً في فلسطين (أرض الميعاد)، لذا فهم استقتلوا وبذلوا ما بذلوا حتى ملكوا أرض الميعاد انتظاراً لظهور السيد المسيح الملك العالمي. حيث سيرفعهم إلى الأوج فوق العالمين في الدنيا الآن، وما عليهم إلاَّ أن يؤمِّنوا له قطعة أرضٍ في فلسطين لظهوره ثانية بينهم وينصرهم على العالمين. حيث أنهم يزعمون أن سيدنا عيسى الذي ظهر سابقاً قبل (2000) عام لم يكن هو المسيح الحق، ولكن المسيح الحق سيظهر عاجلاً الآن في فلسطين.

ولا تظن أن الأمر نظري أو بالأمر الهيِّن عند اليهود، فإنَّ (70%) من بني إسرائيل الآن في فلسطين مجتمعون على أساس ديني وعلى أسس أرض الميعاد بظهور السيد المسيح بينهم.

ـ أما المسيحيين، فإنهم يؤمنون بأن السيد المسيح سيظهر ثانية، ولكن ليس بجسده الشريف، وإنما بروحانيته العظمى التي ترفرف على العالم فيحلُّ الأمن والسلام ولا تبقى حروب أو شدائد حتى يوم القيامة.

والسؤال الآن:

1ـ أين السيد المسيح، أفي أرض؟ أم في سماء؟ وهل سيعود ثانيةً حقّاً، وما هو الدليل؟

وبالآية الكريمة (55) في سورة آل عمران: {يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ..} فهل يعني ذلك أنه سيعيده للحياة بعد الوفاة ويحييه مرة ثانية ويظهره؟ ولماذا يظهره ثانية؟
2ـ وما الدليل القرآني أو المنطقي على مجيئه يحمله ملكان يطوفان به فوق مدينة دمشق ثم يضعانه على مئذنة بالجامع الأموي (مئذنة عيسى)؟

3ـ مع أي فئة سيكون، هل مع المسلمين؟ أم مع الأخوة المسيحيين؟ أم مع اليهود؟

4ـ هل سيأتي بإنجيل ثاني غير الإنجيل السابق؟ أم على القرآن سيبنى الحق؟

5ـ وأخيراً، هل سيظهر ثانية لوحده أم يعود هو وأمه السيدة العذراء؟

الجواب:

ـ قبل قيام الساعة التي أشار إليها القرآن الكريم أو أي بلاء آخر فإن الله يرسل إلى الناس إنذارات وتحذيرات لعلهم ينتبهون من غفلتهم ويصحون من سكرتهم ثم يتداركون أمرهم قبل أن يحل بساحتهم العذاب وقبل أو يقولوا ربنا أرجعنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل.

ـ ولا تقتصر تلك التحذيرات على الرسل فحسب بل التنظيم الكوني الصارم بدقته والهادف في غايته يحذرنا من الاطمئنان لهذه الدنيا، فالمراحل التي يمر بها الإنسان أو الحيوان من ضعف إلى قوة ومن قوة إلى ضعف وشيْبه، والنبات يخرج غضاً ثم يستوي ويستغلظ ثم يصبح هشيماً تذروه الرياح إن هي إلا آيات محذرات مبينات للإنسان بأن لا يطمئن ويركن إلى الحياة الدنيا بل تطلب إليه بما تقدمه من المواعظ أن يشمر عن ساعد الجد ويسعى لما هو مخلوق له لأن الأمر جد وما هو بالهزل .

تحذيرات:

ـ وما أشراط الساعة التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام وظهرت الآن إلا آيات مبينات لأولي الألباب الذين يبحثون عن لب الأمور أي عن ربهم موجد الوجود ويذرون القشور والخيال المنطبع على شبكية العين فيرون الحقيقة ببصائرهم بنور ربهم، لا بنور الشمس والكهرباء.. الخ.

ـ ففي أشراط الساعة آيات مبينات بأن هذه الحضارة التي بنوها وارتضوا بها سوف يأتي الله على بنيانها من القواعد فيخر عليهم السقف من فوقهم ذلك بأن الله لا يأخذ القرى بظلم وأهلها غافلون، أما إذا أخذها وهي ظالمة فإن أخذه أليم شديد، فلو كانت الحياة طيبة في ظل هذه الحضارة لما شاهدنا التبرم والضجر والألم وحوادث الانتحار في البلدان الراقية من هذا النهج الذي ارتضته البشرية لنفسها.
ـ أما إذا انحرفنا عن تلك الغاية السامية من وجودنا التي هي الحياة الطيبة بأسمى معانيها فإن الهلاك يصبح محققاً وذلك لكي لا تزداد شرورنا ويزداد ألمنا وحسرتنا يوم الدين.

ـ فالله أعلم بمن خلق وأعلم بما يسعد نفوسهم، أو ليس الذي أبدع السموات والأرض وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة بقادر أن يضع لنا سنناً تكفل لنا سعادة الدارين؟

بعث الرسول:

ـ بلى ولكن خروج الناس عما أنزل من الشرائع الكفيلة بسعادتها ورقيّها هو الذي سبب لها النكبات وسبب لها الألم والشقاء ومن أجل ذلك يبعث الله تعالى إليهم رسولاً من أنفسهم ويتلو عليهم آياته وشرائعه ويأمرهم أن يطيعوا الله ورسوله بتطبيق تلك الشرائع ويحذرهم ويعظهم من الهلاك إذا انحرفوا عنها واستبدلوها بشرائع من وحي أهوائهم.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} سورة القصص (59).

ـ والمسيح عليه السلام هو رسول هذا العصر وهو الذي أرجأه الله تعالى لهذه الساعة هلاك القرى وجعله علماً لها من أعظم أشراطها: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} سورة الزخرف (61).

رجل الساعة:

ـ نقول المنارة علماً للبر أي برؤية المنارة نعلم بوجود البر إن كنا تائهين بسفن بالبحار. فالمسيح عليه السلام علماً للساعة وأما الأدلة القرآنية التي تنبئ عن مجيئه فإليك هي:

الدليل الأول:

قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} سورة آل عمران (55).

ـ لقد جاء عيسى بن مريم عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل فاصطدم بعلمائهم من (الفرِّيسيين) بعد أن رأوا مخالفته لأقوالهم ولما جاء به أجدادهم من التفسيرات التي لم ينزل الله بها من سلطان، ولما رأوا أمرهم سينكشف للناس راحوا يقاوموه بشتى الوسائل حتى تمكنوا من صد الناس عنه، وما صدوا إلا الذين هم على شاكلتهم، ولم ينتهوا عند الكفر به والصد عن سبيل الله بل راحوا يمكرون به قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ}: بكفرهم ومكرهم. {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ}: أي من يبايعني على النصر أو الموت. {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}: ذلك أن المسألة خرجت عن نطاق المناقشات الكلامية وتطورت إلى الاحتكام إلى شبه الأسنة.

ـ مكرت بنوا إسرائيل واستعد السيد المسيح والذين آمنوا معه وهم أحد عشر رجلاً ولكن الله جلّت قدرته رأى الحواريين أقلة فدبَّر لأمرٍ فيه الخير لهؤلاء وهؤلاء. {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}: تألم على نفسه وأخذ الحزن منه كل مأخذ وظن أن الله جل وعلا لم يقدِّر على يديه هداية قومه لوفاته ونتيجة إعراضهم وكفرهم لأنه بهدايتهم سعادتهم وسعادته يوم القيامة وبالتالي رفعته، عندئذ طمأنه تعالى، إذ قال تعالى: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}: أي بأعمالك العالية لإنقاذ البشرية.
{وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} سورة فاطر (10).

ـ والوفاة لا تعني الموت فحسب بل النوم يسمى وفاة أيضاً، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ..} سورة الأنعام (60).

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا..} سورة الزمر (42).

فالنوم وفاة إذاً، أما وفاة الموت فتكون على يد ملك الموت الموكل بوضع الروح حين الولادة إذ هو أيضاً الذي يقبضها عند الموت.

{قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} سورة السجدة (11).

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ..} سورة النساء (97).

معنى الوفاة:

ـ فمعنى الوفاة هنا أخذ الإرادة والاختيار من سيدنا عيسى عليه السلام بإنامته، فالله يتوفى الأنفس التي أخذ منها إرادتها واختيارها، لذا فالأعمال التي تصدر من النائم لا يؤاخذ عليها إن اتخذ الحيطة لنفسه قبل نومه.

الرفعة:
ـ وإذاً فليس المراد من كلمة {... وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ...} ما يتبادر إلى الأذهان، أذهان بعض الناس من أنه رُفِعَ إلى السماء. فإن الآية جاءت صريحة بقوله تعالى: {... وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ...} ولم تقل ورافعك إلى السماء، والله تعالى هذا الخالق العظيم، الذي لا نهاية له، مُنزَّهٌ عن أن يُحيط به زمان ومكان، فهو خالق الزمان والمكان.
ثم إنَّ السماء والأرض عند الله تعالى سيَّان في المنزلة والشأن، وكلاهما مخلوق، وليس يرفع من شأن الإنسان رفعهُ إلى السماء، إنَّما الذي يرفع الإنسان إلى خالقه ويدنيه من جنابه الكريم، عمله العالي، وجهاده في سبيل الله، ودعوته الناس إلى طريق الحق، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم. وإذاً فالذي جاءت به الآية الكريمة ليس رفعاً جسمياً، إنَّما هو رفع المنزلة والشأن نقول: رفع الأمير فلاناً إليه، أي أدناه منه منزلة ومكانة، لا جسمياً ومكاناً.
قال تعالى: {... وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ...} (10) سورة فاطر. {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا،وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} (56ــ57) سورة مريم. {... يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ...} (11) سورة المجادلة.
أقول: والذي ينفي أيضاً رفع سيدنا عيسى عليه السلام إلى السماء قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } (50) سورة المؤمنون.
والربوة: هي المكان المرتفع من الأرض. والقرار: هو الجبل الراسخ المستقر. والمعين: الماء الجاري الذي لا ينقطع.
عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية:{... وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ }. ( قال أتدرون أين هي؟. قالوا الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة، في مدينة يقال لها دمشق هي خير مدن الشام) أخرجه ابن عساكر، وهذا ما رواه البيضاوي في تفسيره، والمؤرخ ابن جبير في كتابه "تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار" أنَّ هذا الإيواء إِنَّما كان إلى ربوة دمشق، وجاء في بعض الآثار، أن ظهور سيدنا عيسى عليه السلام في آخر الزمان، سيكون في دمشق.

ـ فالله سبحانه طمأَنَ المسيح عليه السلام بأنه رافعه إليه بهذه النية العالية إلا أن الرفعة لن تكون الآن إذ أن قومك أبوا أن يؤمنوا لك وأصروا على كفرهم فما استحقوا إنعامي عليهم لذلك فإني مُلقٍ عليك سُنّةً من النوم الآن ورافعك بعد هذا النوم الذي يمتد قروناً بالأعمال الكبرى التي سأرزقك بها وبها إسلام العالم كله على يديك وذلك بنيتك العالية.

زوال الكفر:

قال تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: عندها سأزيل دول الكفر ولن تقوم لهم قائمة أبداً إلى يوم القيامة. {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ}: وسوف أجعل الذين يتبعوك عندها: {فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}: عندها تكون في هذه الأمة وجيهاً في الدنيا والآخرة وبهذه الآية يبين أن ساعة القيامة تقوم على خيار الخلق والساعة التي تقع بزمن السيد المسيح عليه السلام تقوم على شرار الخلق.
وفي الحديث الشريف: {..لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس..} الجامع الصغير، للسيوطي.

الدليل الثاني:

البينة

{لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} سورة البينة (1-5).

ـ أي أن الذين كفروا من أهل الكتاب وهم اليهود، والمشركين وهم النصارى لم ينفكوا عما هم فيه من كفرهم وإشراكهم، كما لن ينفكوا عن اختلافهم من تكذيب اليهود للمسيح صلى الله عليه وسلم واختلاف النصارى في طبيعته حتى تأتيهم هذه البينة، وهذه البينة وصفها الله تعالى بأنها: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً}. {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}: (اليهود) إلى يهود ونصارى. {إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}: سيدنا عيسى عليه السلام. {وَمَا أُمِرُوا}: هؤلاء وهؤلاء. {إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.

ـ لقد كان المسيح عليه السلام بينة في ولادته من غير أب، ثم حمْله ووضعه في فترة وجيزة بينة وأية بينة، وتكليم الناس في المهد وخلقه من طين كهيئة الطير فينفخ فيه فيصبح بإذن الله طيراً، ثم إحياء الموتى بإذن الله وإبراء الأكمهْ والأبرص، كلها تعتبر آيات بينات لمن شاء أن يؤمن.

ـ كذلك فإن مجيئه بعد عشرين قرناً ليكلم الناس يعتبر بينة على أنه رسول الله،، إذن حياة هذا الرسول العظيم كلها بينة ولا عجب بعد هذا أن يدعوه الله تعالى بالبينة.
ـ لا جزية بعد ظهور السيد المسيح عليه السلام:

فلم يكن اليهود والنصارى منفكين عن كفرهم حتى يأتيهم رسولهم المسيح عليه السلام، فلذلك فإن رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام لم يحلَّ الخلاف بين اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن فحينما كان يحارب عبَّاد الصنم والنار يشترط الحرب أو الإسلام.

ـ وإن كانوا أهل كتاب فكانت الشروط ثلاثة: (الإسلام، أو الجزية، أو الحرب).. فإن أسلموا فتلك الغاية وإن أبوا فدفع الجزية وإلا الحرب حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية التي بحقيقتها رمز لعلهم يسلمون فإذا أسلموا للحق ارتفعت عنهم وأعيد لهم عزهم وأصبح لهم ما للمسلمين. فهم لهم إخواناً سواء، لهم ما لهم من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات معزوزين مكرمين فلا تمايز عنصري ولا طائفي كيف لا فقد اهتدوا.

الدليل الثالث:
وجاهة السيد المسيح:

{إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ} سورة آل عمران (45-46).

فالآية تبين أن السيد المسيح سيكون وجيهاً في الدنيا وفي الآخــرة، فـإذا كــانت وجـاهـة الآخرة لا ريب فيها فوجاهة الدنيا لم تحصل له بعد، ففي فترة قدومه الأولى لم يكن الذين معه يتجاوزون الأحد عشر، لذا فتلك الوجاهة هي التي ستكون له عند عودته ثانية، فيؤمن به كل من بقي حيّاً تقريباً فيصبح الملك العالمي للناس قاطبة: [ يأتي على سحابة من المجد]
ويغدو للعالمين إماماً إذ يؤمُّ إليه رجال الزمن وإلى أمه عليه السلام النساء جميعهن.

ـ كلام الكهل ليس بمعجزة إلاَّ:

والآية الثانية بقضية تكليمه بالمهد فكلامه يعتبر بحق معجزة، أمــا أن يــكلم الناس كهلاً فليس بمعجزة، إلاَّ إذا غاب حيناً من الدهر يتجاوز أضعافاً مضاعفة من عمر الإنسان الوسطي، ثم يعود ليكلِّم الناس بنفس العمر كهلاً:

مجيئه بعد عشرين قرناً تقريباً معجزة عظمى، وهو بنفس السن الذي توفاه الله به.

أما وقد تكلمنا عن مجيئه فعلينا حتى يكمل البحث أن نشرح الغاية التي يأتي من أجلها.

ـ إن القرآن جاء بأعلى مستوى وأكمله من التشريع والتنظيم والبرهان، وفي الحدود التي ارتضاها رب العالمين للبشرية، وهذه الحدود تبقى في المجال الذي لا ينصرف به الإنسان كلياً إلى الدنيا، وتمتص كل طاقاته الفكرية والنفسية والجسمية. فأرضية المجتمع الديني، والمناخ الذي يجب أن يعيش فيه الإنسان ويتلاءم مع معتقداته، هو مجتمع لا يتجاوز مستواه الحضاري مستوى التعقيد وامتصاص طاقات الإنسان لدنياه فقط، لأن التجاوز عن هذا المستوى يولد الشقاء والألم والظلم والتفرقة، تماماً كما نلحظه في هذا العصر، وكل زيادة على هذا المستوى، يعتبر فساداً وإفساداً ،واطمئناناً إلى الدنيا، وانصرافاً عن الغاية التي جاء من أجلها الإنسان.

ـ لذلك فالسيد المسيح عليه السلام عند مجيئه، لن يحمل معه إنجيلاً يستوعب حضارة هذا القرن، ولن يصحِّح القرآن، لأنه كتاب لا يدخل عليه الباطل، بل يأتي ليمحو الصدأ الذي حجب الناس عن القرآن من تلك التفاسير الضحلة، ومن كثرة التفاسير المضللة، التي فرقت الناس إلى أحزاب وشيع، كل حزب بما لديهم فرحون، هذه الدعوة نفسها عندما أراد عليه السلام من قبل أن يجلو الصدأ الذي تراكم على التوراة، نتيجة التفاسير الباطلة، والتحريف المقصود من علماء بني إسرائيل، ولكن عند مجيئه الثاني مهما يلاقِ هذا الرسول الكريم من التحدي من قبل بعض علما ء الأديان الثلاثة، أو من الذين يتبعونهم بغير علم، فالله سينصره هو والذين آمنوا معه، وسيجعل عداءهم له حسرةً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، وعندئذ سيحكم تعالى بينهم وهو خير الحاكمين.

انتهاء جولات الباطل:

{وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ..} سورة النساء (159).

ـ إن الدين بدأ غريباً. فقـد بــدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته لقومٍ قد مزقت الخلافات وحدتهم، وأبعدت القبلية تضامنهم، وكانوا عبارةً عن قبائل متفرقةٍ، ودويلاتٍ تستخدمها دول أجنبية كبرى، وبين أظهرهم أمة تعالت عليهم بما لهم (أبناؤها) من ماضٍ مجيد، ويستفتحون عليهم بما يعتقدون بأنَّ رسولاً اسمه أحمد أي: (أحمد الخلق اسماهم وأعلاهم) قد قارب زمانه، وبمجيئه سينتصرون على العرب، ويأخذون ديارهم وأملاكهم، ويصبحون أسيادهم. هذا الوضع قبل أربعة عشر قرناً، (يشبه ضمناً وضعنا الحالي).

ـ فالأمة العربية خاصة، والإسلامية عامة، قد مزّقتها الخلافات إلى شيعٍ ودويلات متناحرة، تسيِّر قسماً منها دول استعمارية كبرى، وبين أظْهُرِها أمةٌ يتعالون علينا الآن بحاضرهم، وهم الآن كما كانوا بالأمس ينتظرون ظهور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهم الآن ينتظرون قدوم السيد المسيح في أرض الميعاد فلسطين، ليكون الملك العالمي.

فالدين أصبح غريباً، إذ ما من أحدٍ تقريباً يأمل أن تقوم للدين بعد اليوم قائمة، لأن عصر الأديان باعتقادهم قد ولّى منذ زمن بعيد، وإلى غير رجعة .

ألا إن الزمان قد دار دورته، وعاد الوضع كما بدأ. في هذا الزمان الذي كفرت الناس بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر سيظهر الدين غريباً كما بدأ قبل أربعة عشر قرناً{..وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} سورة التوبة (32).

فطوبى للمؤمنين الغرباء بقدوم الرسول السيد المسيح عليه السلام، فقد آن أوان ظهوره حقاً وصدقاً، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.

عندها: «طوبى لمولود ذلك الزمان».


والحمد لله رب العالمين

هذا ما بينه فضيلة العلامة محمد أمين شيخو في كتاب السيد المسيح يلوح بالأفق
www.rchss.com

23 أبريل 2010
درج على ألسنة البعض من الناس تساؤل وجيه ألا وهو:

ما الصلاة؟ ولماذا هي من الفرائض والواجبات الأولية والملحة؟

تلك الصلاة بما فيها من قيام وقعود وأقوال وحركات وفرائض وسنن، وما سرِّها وما حقيقتها وفائدتها؟
ويقول البعض: أفلا يكفي المرء أن يكون طيب القلب ذو أعمال حسنة، فلا يكذب ولا يغش ولا يمكر ولا يعتدي على أحد... فيحبه الناس كما هو يحبهم؟! أليس هذا هو الأساس؟!
فما الرأي جزيتم خيراً؟

جواب القضية:
لا يمكن لذي لبٍّ أن يعتبر دعوة الدول الراقية لأبنائها أنْ تعالوا صبيحة كل يوم إلى هذا البناء، بناء أية مدرسة أنشأتها، عودوا بالواجبات، تقيدوا بما يكلِّفكم به أساتذتكم ومعلموكم من أوامر ونواهي، مجرد أمر قسري لا معنى له ولا مردود يُرتجى منه، ولا مفهوم.. ولا.. ولا..
ذلك مثل من لا يفهمون الحكمة العليّة من أوامر الله القدسية فيظنونها مجرَّد أمر تعبدي (روتيني) لا معنى ولا مردود.
إن المدارس في الدول الراقية ما قامت بذلك إلاَّ لتمحو الجهل وتغذِّي طلابها بالعلم محلَّه، إذ تعلمهم من السلوكيات العامة أصولها ومن الآداب والأخلاق ركائزها.
إنها تخلِّقهم لتسمو بهم لقمم ما يصبو إليه كل مجتمع راقٍ يترفع عن مستويات الجهل والانحاط الخلقي والسلوكي، وما من أب عاقل بصير إلاَّ ويفرض على أبنائه الالتزام بتلك المدرسة والتقيد بأوامرها والامتثال بالطاعة لمعلميها ليرقى ابنه لأرفع المستويات وليعلو قدره مستقبلاً، وذلك خير من مجرد الهناء في البيت، بيت الحرية والدلال والرفاهية.
وإنْ أبقاه في هذه الحرية فقد رضي له بذلك الجهل والعمى..
وذلك مثل الصلاة: ثاني المدارس العليا للتقوى في حقيقتها. فهي هدى وعلم وطهارة، كنهر بباب أحدكم يغتسل منه خمساً، فهي سعادة ونور، بها السمو كله وبها الإنسانية الحقيقية بأجمعها.
فالصلاة في حقيقتها وسرها العجيب هي للمؤمن صلة نفسه بربِّها وارتباطها الوثيق بنور خالقها المتوارد عليها بواسطة الشفيع صلى الله عليه وسلم، بارتباطها النفسي به رابطة التقدير والحب والتعظيم، حيث تسري لنفس المؤمن المصلِّي الحياة القلبية من الحي جلَّ كرمه وتعاظم عطاؤه.
فحياة الجسد بالغذاء والشرب والهواء، بينما حياة النفس بالصلاة التي ترفدها بالحياة القلبية من الله، ففيها الغذاء والنماء لقلب المؤمن.
فنحن نتمتع بصِلَتِنا بالفاخر من الطعام اللذيذ، ونغذي أعيننا بروائع مناظر الطبيعة والورود والأزهار الفاتنة البهيجة مع استنشاق عبير روائحها الشذية والمترعة بالألوان الجذَّابة التي تأخذ بمجامع القلوب، والمياه الدفاقة الرقراقة والنسيم العليل في المنتزهات الاصطيافية.
كما نشعر بالحياة اللذيذة الطيبة بضمِّ أطفالنا، أو من نحب إلى صدورنا بقبلات المحبة الودية الصافية. وكل ذلك بأجمعه أثر من آثار خالق الجمال ومبدع كل روعة وجلال..
فكيف إذا اتصلت نفس المؤمن الحق بمبدع الجمال وممدِّ الأكوان، فكم يغمرنا بمشاعر ونعيم وأذواق وافتتان وبوارق نورانية تذهب ببصيرتنا إلى ربِّ كل كمال وخير، كم سنقطف من بدائع الحب الصافي العالي الشريف حيث تستغرق نفوسنا ببحور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
كم من المشاهدات السامية العلية المتفوقة فوق ما تناله العوالم بأسرها من رب الجمال والفضيلة والكمال، وكم ستتشرب نفوسنا من فضائلٍ وكمالات.. وينمسح عنها بالنور الإلهي كل بؤس وتعب وشقاء.
وكم تزول من نفوسنا من أدران ومن صفات الجبن والضعف والشح والخسّة وغيرها مما كانت ستخفِّض من شأننا عند الله وعند الناس، بل كم يسير إلى نفوسنا من علوم ومعارف دونها معارف العالمين.
ذلك غيض من فيوضات الصلاة الحقيقية على كل نفس آمنت من ذاتها واختيارها بربها من ثنايا بدائع آياته الكونية، نتيجة حساب المرء حساب الموت وخشية سوء المنقلب بعده.
نعم بهذه الصلاة الحقيقية تفوَّق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخلائق بأسرها وفتحوا البلاد وقادوا العباد للإنسانية والمحبة والسلام، بل قلبوا الحضارات الكبرى من يونانية وزرادشتية وغيرها إلى الإسلام، فهُجرت الأوثان ورفرفت راياتهم على بلاد الهند والصين بالرحمة التي أفاضوا بها على العباد، والسلوكية الإنسانية السامية التي أدهشوا وأشدهوا بها قلوب الأمم.
فلكلِّ شيء صورة وحقيقة، وصورة الصلاة التي نصلِّيها هي نفسها التي كان يصلِّيها سيد الخلْق صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ومن تابعه من المؤمنين بإحسان.
أما حقيقتها وسرها العظيم كما تقدَّم سابقاً ذكره: فهي غذاء النفوس، بها الصفاء والنقاء والتزوُّد بالكمالات والمكرمات من ربِّ الأرض والسموات الذي فضله المديد أكبر من مكاسب الدنيا وما فيها و 002jhihknhg.gif.
الصلاة بعددها الخمس وَجَبَاتٍ ذات الأُكُل الدائم والتجلِّي العلوي الظليل.
الصلاة: هي الكيمياء الحقيقية التي تصنع من الفحم ألماساً ومن النحاس ذهباً، تبدِّل الصفات النفسية المنحطة والدنيئة إلى كمالات وخيرات.
الصلاة معراج المؤمن بها يسمو وبها يعلو.
الصلاة غسل القلوب وشفاؤها ونعيم المؤمن ومكاسبه، وسر الحياة بها.. فبها تسري الحياة للنفوس فتنعشها.
وفي الصلاة عافية الأبدان ووقايتها من كافة الأمراض.
فالصلاة كمال الإنسانية وبهاؤها ولا حياة بلا صلاة، بها تنظف القلوب من خبثها وأدرانها، وبها النعيم كله والشفاء النفسي والجسدي التامَّان الأكملان والقوة والبطولة والشجاعة التي لا تبارى، وبها تتم التضحيات النبيلة السامية وخوارق الأعمال الإنسانية الكبرى، منها النور والحياة والبهجة والسرور والبصيرة الكشَّافة لكل نبل وسمو متسامق متعال متشاهق.
الرقي الإنساني لا يُنال إلا بالصلاة، فيها الحياة كلها والنجاح والفلاح وتارك الصلاة لا خير فيه. يترعرع بقبيح الآفات والصفات فلا خير إلاَّ من معدن الجود والإحسان (الله).. فمن ترك الصلة بالله أين يجد خيراً؟!
فالمحروم كل المحروم من حُرِمَ الصلة بالله، والخاسر من ترك الصلاة وما تشرَّفت نفسه في يوم من الأيام بالوقوف بين يدي الله والإقبال عليه تعالى بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إنه المسكين يلهو بالدنيا وأكدارها، وينغمس في رذائلها ودنيء شهواتها، ويحرم نفسه من نفائس الإقبال والتمتُّع بشهود أسماء ذي الجلال والإكرام، فهو ينصرف إلى المخلوق ويدع الخالق، إنه يتمسك بالأكدار ويدع الجواهر واللآلئ، إنه الأعمى، أعمى القلب، {..فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} سورة الحج (46).
إنه ميت {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ..} سورة فاطر (19-22).
فيا خسارة إنسان لَحِقَ الدنيا وترك منابع السعادة وموارد الإيمان.
وطوبى للمصلِّين المتصلين بذي الجلال والبهاء والإكرام بواسطة قدسية روحانية نفس المصطفى وكفى.
والحمد لله رب العالمين
اقتبسنا لكم ذلك من علوم العلامة الإنساني محمد أمين شيخو



23 أبريل 2010
هل الإنسان مسير أم مخير في العمل ونوعه؟

إن من ينظر نظرة تأمل وتمحيص في هذا الكون الواسع العظيم من صغيره إلى كبيره يجده على غاية من الإتقان والإبداع، كل ما فيه مسخَّر خادم لمخلوق واحد في جوف هذا العالم اللا متناهي بالنسبة له، ألا وهو الإنسان، فالإنسان كما نراه هو السيد المتصرِّف، يكشف أسرار الطبيعة ويسبر أغوارها ليستطيع إلى حد ما تسخيرها لرغباته وأغراضه كما أننا نلاحظ أن المخلوق الوحيد المتطور هو الذي يحمل فكراً جباراً يحلِّل ويركِّب فيعود بنتائج شتى.
فلا مخلوق سواه يستطيع الاستقراء والاستنتاج والتطور، بل على العكس نرى جميع ما حولنا من مخلوقات تقوم بوظائفها التي خلقت لأجلها وتتقيد بتصرفات ضمن غرائز فطرية أزلية طبعت على صفحات نفوسها، فمثلاً لا نجد مطلقاً ثعلباً ينحو منحاً إنسانياً في معاملته للدجاج، وليس ثمة هرة تربطها بالفأر علاقات الود والصداقة، فالغريزة تسيطر على الهرة لافتراس الفأر دون أي تأخر أو تراجع أو نظرة صغيرة في هذا الموضوع.

كما أننا لا نرى ذئباً يرعى قطيعاً من الخرفان، بل يستحيل حصول ذلك إلاَّ عند كلب وفي، فجميع هذه المسالك لتلك الحيوانات لا تتبدل ولا تتحول ولا تتطور خلال الزمن مهما طال، فلم نرَ على سبيل المثال دجاجة تسبح في بركة ماء، بل هذا عمل البط منذ كان نقفاً لتوه قد خرج من بيضته، تراه يسبح بمهارة وإتقان عجيب.

بالمقابل ترى البط عاجزاً عن القيام بما تقوم به الحيوانات الأخرى كالافتراس مثلاً والصيد أو الحراسة. كما أن هذه الحيوانات التي تقوم بهذه الأعمال عاجزة على أن تعمل ما تعمله النحلة من هندسة خليتها وجمع العسل من الأزهار...

نعم إن كل مخلوق مسير لما خلق له وضمن نظام غريزي يعمل ولا مجال للإبداع أو الابتكار، بل روتين وتكرار يقوم به طوال حياته دون تعديل أو تغيير.

إنها الإلهامات الإلهية التي سخرت جميع ما في الكون لخدمة مخلوق مكرم على جميع المخلوقات وهو الإنسان، فالشمس تشرق وتغيب بوقت معين في كل سنة ولا تحيد عن مسارها قيد أنملة، كذلك تسعى جاهدة لخدمة هذا الإنسان.

مما سبق من تأملات نجد أن الكون على غاية من الدقة والنظام يسير ضمن قوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، حركة هادفة، خيرة، متعاونة، ومتكاملة تسعى ضمن مسارات دائرية تقريباً، تبدأ من حيث تنتهي، فالنبات والشمس والقمر وغيرها تعود من حيث بدأت، ويبقى المصير لغزاً لكنه ليس مبهماً ولا مكتّماً، بل يُضّل به كثيراً، ويهدي به كثيراً.

ولعلَّك تقول: ما المراد من كلمة: {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..}؟

هذه النقطة الهامة كانت موضع أخذ ورد في قرون مضت، وقد ضلَّ بسبب عدم فهمها أناس كثيرون، وتزندق آخرون.

فأما (الجبريـة) فقد ادَّعوا: أن الله تعالى قدَّر على الإنسان الوقوع في الأعمال الخيِّرة والشريرة وأن العبد مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار والثواب والعقاب جبر.
وما مثل الإنسان في كونه مجبوراً على الكفر والمعصية إلا كمثل الريح تهب على العشب (الحشيش) فتقلِّبه يميناً وشمالاً، أو كالورقة تذهب بها الرياح حيث تشاء. قالوا ذلك ليتوصلوا من هذا الطريق إلى تبرير أعمالهم المنحطة والانغماس في شهواتهم الدنيئة وادَّعوا أن لا ذنب لهم ما دام الله تعالى هو خالق الأعمال واستندوا إلى آيات كثيرة ضلُّوا عن فهمها الصحيح فاستشهدوا بها خطأً وفسَّروها تفسيراً باطلاً.

وأما الآخرون وهم (المعتزلـة) فقالوا: إن الله لا يحب الشر والفساد، وقد أرادوا أن ينزِّهوا الله تعالى عن الظلم فزعموا أن الإنسان هو خالق أعماله، والرب منزَّه عن أن يضاف إليه شر أو ظلم وفعل وذلك هو كفر ومعصية. فالعبد عندهم مستطيع باستطاعة نفسه، وأفعاله مخلوقة من جهته لا يحتاج إلى الاستطاعة من الله وقد وضع الله تعالى فيه القوة وهو مطلق في استعمالها وهو والحالة هذه مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً.

وأنت ترى من خلال هذين الرأيين ضلال كل من الفريقين:

فالجبرية وقعوا في الضلال، إذ زعموا أن العبد مُجبر على الوقوع في الشر، وأنه لا حيلة له والأقدار جارية عليه فهو مكره على تنفيذ هذه الأقدار وليس له في رد ذلك قدرة ولا استطاعة ولا اختيار.

وردّاً على الجبريـة نقول:

لقد نفى تعالى ذلك نفياً قاطعاً بقوله الكريم: {..لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..} سورة البقرة (256). فلم يُكره أحداً على الطاعة كما لم يُكره أحداً على المعصية، وقولهم هذا محض افتراء لا أساس له من الصحة.

وإذا كان الإنسان كما يقول هؤلاء مجبراً على المعصية، ومستحقاً بالتالي على العذاب والعقاب، فلا ريب أن ذلك من الله تعالى محض الظلم والجور، والله تعالى منزَّه عن الظلم والجور، والاعتقاد بمثل تلك الاعتقادات الفاسدة كفر وضلال لأن الذي يسيء الظن بالله وينسب الظلم إلى الله كافر وهو لا يختلف عن إبليس في شيء، إذ قال: {...رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ...} سورة الحجر (39).

فقد اعترف إبليس بربِّه ولكنه نسب الظلم إلى الله وظنَّ أن الله تعالى هو الذي أغواه، كما لا يختلف معتقد هذه الاعتقادات الباطلة عن المشركين في شيء. قال تعالى:{...سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}.

فردَّ عليهم تعالى بقوله الكريم: {..كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ}. سورة الأنعام (148).

وكذلك (فالمعتزلـة) ليسوا على شيء من الصواب فيما زعموا، إذ قالوا: أن العبد بما وضع الله تعالى فيه من القوة قادر وخالق لأفعاله ولا يحتاج إلى الاستطاعة والقوة من الله.

ورداً على المعتزلة نقول:

إذا كان الله تعالى قد وضع في العبد القوة وجعله قادراً على خلْق أعماله فمعنى ذلك أن الله تعالى ترك القوي يعتدي على الضعيف، ثم إن الله تعالى كيف جعل في الناس قوياً وضعيفاً وبهذا جعل الناس يتسلَّطون على بعضهم بعضاً، أليس في هذا الاعتقاد أيضاً ما فيه من نسبة الظلم إلى الله، وكذلك فقد جعل هؤلاء المعتزلة للإنسان حولاً وقوة ولم يجعلوا مع الله إلهاً آخر فقط، بل جعلوا كل مخلوق قادراً وخالقاً. ولو أنهم أدركوا معنى لا إله إلا الله وأنه ليس لأحد في هذا الكون فعل وقوة إلا بالله لما وقعوا في هذا الشرك والضلال البعيد، ومع أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وهم يزعمون أنهم أهل العدل والتوحيد.

والآن وبعد أن بيَّنا طرفاً من اعتقادات أهل الضلال والانحراف الذين زاغت قلوبهم عن الحق بسبب عدم معرفتها بالله وانحرافها عن الطريق التي أرشدنا الله تعالى إليها في الوصول إلى الإيمان نستطيع أن نورد اعتقادات أهل السنة والجماعة وأن نفصِّل في تلك النواحي التي أشاروا إليها تفصيلاً يجعل الإنسان يفهم ما ورد في كتاب الله تعالى بما يتوافق مع العدل الإلهي والتوحيد الصحيح قولهم:

أن العبد مخيَّر يستطيع أن يختار ما يشاء ولهذا المعنى يستحق العقوبة أو الثواب، فمتى وُجِدَ من العبد العزم والقصد والاكتساب يحصل له من الله تعالى القوة والاستطاعة على الأعمال.

وهكذا فأنت ترى من خلال هذا الرأي الصحيح أن العبد مطلق في اختياره غير مجبر على الوقوع في فعل من الأفعال. أما الاستطاعة والقدرة فإنما هي بيد الله تعالى وحده وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

ولعمري ذلك هو التوحيد الصحيح الذي تفيده حقيقة (لا إله إلا الله).

وقد فصَّل بعض العلماء في هذه الناحية فقالوا أن للعبد جزءاً اختيارياً، والحقيقة أن للعبد الحريّة كلها والإطلاق في الاختيار ولكن على المستحق، ونفصِّل لك نحن هذا المعنى فنقول:

إذا وقع اختيار العبد المؤمن على القيام بعمل من أعمال البر والإحسان فلا ريب أن اختياره هذا يُنفِّذه الله تعالى له، ولكن العدالة الإلهية تقضي بأن يكون التنفيذ على شخص استحق هذا البر والإحسان. ولذلك يسوق الله تعالى المحسن للمحسن والطيِّب للطيِّب وينال كل امرئ بمقدار ما يستحق من العطاء.

وإذا وقع اختيار المعرض على القيام بعمل من أعمال الأذى والعدوان فلا ريب أن هذه الشهوة الخبيثة التي استقرَّت في نفسه بسبب إعراضه عن الله ودفعته إلى هذا الاختيار لا يكون تنفيذها إلاَّ على شخص استحق بسابق ما اكتسبت يده أن يقع عليه هذا الأذى والعدوان، فيُساق الظالم لنفسه للظالم لنفسه أيضاً:{...وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} سورة الأنعام (129).

والخبيث للخبيث ولا ينكح الزاني إلاَّ زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلاَّ زان أو مشرك: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُها إلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} سورة النور (3).

ويولِّي الله الظالمين لأنفسهم بعضهم بعضاً وكلٌّ ينال أيضاً بمقدار ما يستحق وينفّذ لكلِّ امرئٍ ما اختار على حسب ما تقرُّه تلك الإرادة الإلهية العليا المسيطرة في حكمها فوق الخلائق جميعاً فلا تنفِّذ إلا على حسب ما تقتضيه العدالة فتسوق المحسن للمحسن وتولِّي الظالم على الظالم والله يحكم لا معقِّب لحكمه وهو سريع الحساب.

ويؤيد ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف، إذ يقول: «.. واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لكَ، وإنْ اجتمعوا على أنْ يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضرُّوكَ إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ عليكَ». رواه الترمذي.

فَسِرْ بالخير ليُكتب لك ولا تَسرْ بالشرِّ لئلا يُكتب القصاص عليك.

ولا يظنَّن ظانٌّ أن هذه الكتابة ـ كما تزعم فرقة الجبرية الكافرة ـ كتابة قديمة أزلية فتعالى الله أن يكتب على الإنسان شيئاً لم يحرِّك به جارحة ولم يكن له فيه اختيار ولا إرادة، إذ لو كان الأمر كما يظنُّون، وأن الله تعالى كتب على أناس ضرّاً وأذى، وكتب لآخرين نفعاً وخيراً لكان ذلك من الله تعالى ظلماً وجوراً ولتنافى ذلك مع العدالة الإلهية تنافياً ظاهراً.
فهذا الإله العليُّ القدير الذي كرَّم الإنسان وحمله في البر والبحر ورزقه من الطيِّبات وفضَّله على كثير ممَّن خلق تفضيلاً، هذا الإله الذي نظَّم هذا الكون على أبدع نظام وجعل ما فيه مسخَّراً للإنسان، ثم أرسل له الرسل الكرام وأنزل معهم الكتاب وساق فيه من العبر والمواعظ والأمثال، ما يكون لهذا الإله أن يفعل ذلك كله ويكون قد كتب على طائفة من بني الإنسان الشقاء وكتب لآخرين السعادة والهناء، وهذا ما لا يرضاه أب لأبنائه، بل يبغي السعادة لهم جميعاً، ولله المثل الأعلى.

وكيف يكتب أم كيف يفضِّل ويميِّز أناساً عن أناس والخلْق كلّهم عيال الله وهم جميعاً عباده؟
لا شك أن من أوتي ذرَّة من منطق صحيح وتفكير سليم لا يرضى بهذه المعتقدات الفاسدة، بل إنما يردُّها لأول وهلة.

وهكذا فالحديث الشريف إنما يعني بتلك الكتابة ما كتبه الله على الإنسان من عمله مما اكتسبته نفسه. فكل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

وبناء على هذا فالحديث الشريف يبيِّن لنا في شطره الأول أن هؤلاء الذين طهرت نفوسهم وأصبحت صالحة لفعل المعروف والإحسان، هؤلاء الذين كتب الله تعالى في نفوسهم فعل الخير بسبب إقبالهم على خالقهم وصدقهم في مطلبهم لو اجتمعوا جميعاً على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك بسبب ما كسبته نفسك وما استحققته أنت بعملك الطيِّب.

وكذلك الأمر بالنسبة لأهل الأذى والشر ليس لهم سلطان عليك، ليسوا بمستطيعين أن يضرُّوك ولو اجتمعوا على ذلك إلاَّ إذا كنت قد قمت بعمل استحققت عليه ذلك الأذى وكُتب ذلك عليك من عملك.

ولعمري ذلك محض التوحيد وتلك هي العدالة الإلهية يتجلَّيان في قوله صلى الله عليه وسلم وهو خير من وصل إلى التوحيد الصحيح فشهد أن لا إله إلا الله ورأى العدل الإلهي جارياً على الخلْق جميعاً فليس لأحد فعل أو تصرُّف إلا على حسب ما تقرُّه العدالة الإلهية ويأذن به الله.
قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} سورة يونس (107).

أقول: ويؤيد ذلك أيضاً ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم عن لسان سيدنا هود صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب قومه بما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {... إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ}: دبِّروا ما شئتم لا أعبأ بكم جميعاً ولا تستطيعون، فلا سلطان لكم علي أبداً.

السبب: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ.. }: الكلّ بيده {..مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}: ما من شيء إلا سيره بالله. {..إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: حيث أنه صلى الله عليه وسلم مؤمن بأنه طاهر ومستقيم على أمر الله بالتمام، عرف أن الله تعالى لا يسوق له شيئاً من الأذى على يد أحد، لذلك كان جريئاً وانتصر.

وآيات القرآن الحكيم طافحة بالأدلة التي ترجع الاختيار للإنسان في تقرير مصيرهم فكلمة (لعلهم) واردة في أكثر من مائة آية في مواضع شتى قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} سورة الأنعام (42).

إذاًً لا قضاءً مبرما ًًًًًًًًًًًًًَولا قدراً محتماً فلا إكراه في الدين فكلمة (لعلهم) تشير إلى منح كامل الاختيار للإنسان ذاته وعن فرعون قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} سورة طه (44).

أفلا تدل كلمة (لعله) الواردة بالآية بأن فرعون مطلق بمشيئته، فإما أن يتذكر ويخشى وإما أن يستكبر وينكر.

وبآيات كثيرة وردت: {..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} سورة البقرة (187).

{..وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} سورة البقرة (221).

أما إذا كان الإنسان مجبراً فما معنى إرسال الأنبياء والرسل؟
وما معنى آيات الذكر الحكيم من إنذار وتبشير؟!

أقول: إن الله يريد الهداية لهذا الإنسان عن طوع ودون إجبار لأنه لا يوجد ثمة فائدة يجنيها الإنسان إذا سيق إلى ما يكرهه بالقوة، إذ الهداية الحقة: أن تقبل عن طوع وبدافع ذاتي فالحرية المطلقة ملك الإنسان وهو حر في سيره إما الهداية أوالضلال قال تعالى: {..إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} سورة الإنسان (3).

فمن يكفر بالله فقد ضل نفسه عن الهدى وما ربح أبداً وكان حقاً على الله أن يمده بما يريده قال تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} سورة الاسراء (20).

إلا أنه لا ظلم في الكون والله بعدله فوق الجميع فلا يستطيع المعتدي أن يتسلط على إنسان طاهر مستقيم، بل هو أخسأ من ذلك.
إنما يُخرج الله له ما بنفسه على مستحق ظالم، فالسارق لا يسرق إلاَّ ممن سبقت له السرقة كذلك القاتل لا يقع جرمه إلاَّ على مستحق استوجب أن يموت قتلاً، والزاني لا ينكح إلاَّ زانية أو مشتركة وحُرِّم ذلك على المؤمنين، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} سورة الأنعام (129).

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} سورة النساء (141).

فحكم العدالة في البرية ساري.

إذن العبد مخيّر يستطيع أن يختار ما يشاء ولهذا المعنى يستحق العقوبة أو الثواب، فمتى وجد من العبد القصد والاكتساب يحصل له من الله القوة والاستطاعة على الأعمال، قال تعالى في سورة يونس (25) {..وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: كل من شاء، فمن سلك طريق الإيمان هداه الله.

قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}: كل من طلب نال.

قال تعالى في سورة عبس: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ}: أي فمن شاء أن تحصل له هذه التذكرة فعليه أن يذكر الله تعالى.

أقول: إن هذه الإرادة المطلقة التي مُنحها الإنسان لا يستطيع أحد أن يوجهها إلى جهة مهما جهد وتعب ما لم تتجه هي بذاتها أي النفس المخيَّرة فتعرف خيرها من شرها وما الأنبياء والمرسلون إلاَّ هداة ومذكرون قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} سورة البقرة (148).

أما الآية الواردة في سورة التكوير: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}: تدل بأن هذا البيان الذي أورده الله تعالى ذكر للعالمين لا يستفيد منه إلا من تطلبت نفسه سلوك طريق الحق وشاء أن يستقيم، وهذه الآية تبيِّن عدل الله في خلقه ورحمته بجميع عباده فهو لم يخص بفضله أناسا دون آخرين، بل جعل نيل الفضل الإلهي متوقفا على مشيئة الإنسان واختياره فكل من شاء وأراد إذا تلي عليه هذا البيان كان ذِكراً له وأثراً في نفسه.

ثم إن الله تعالى بيَّن أن مشيئة الإنسان في الاستقامة متوقفة على شيء واحد، فهذا الإنسان الحر في إرادته المطلق في اختياره، لا يشاء أن يستقيم إلا إذا وجد ربه منه صدقاً في طلب الحق وعزماً صحيحاً على الوصول إليه.

أما مجرد طلب الاستقامة خالياً من الصدق فلا يغني صاحبه شيئاً ولا يريه حقيقته لذلك قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}: أي أن مشيئتك أيها الإنسان بالاستقامة لا تصح ولا تتولد في نفسك إلا إذا رأى ربك منك صدقاً في طلب الحق، فإذا وجد فيك هذا الصدق رزقك تلك المشيئة (مشيئة الاستقامة).

إذن فالأمر بيدك أيها الإنسان فما دمت مستسلماً لشهواتك غارقاً في أوحالها غير طالب بصدق الوصول إلى الحق فلا بد أن شهوتك تظل حجاباً بينك وبين رؤية الحق، ولست تستطيع أن تتطلب ذلك الطلب العالي في الاستقامة وبالتالي لا تستطيع أن تتذكر ما جاءك به القرآن من العبر والآيات لأنك مريض القلب ونفسك ملأى بشهواتها الخبيثة ومن الخير لها أن تفرغ مما خالطها.

أما إذا أنت قمعت شهوتك بإقناع نفسك، وصدقت في طلب الوصول إلى الحق فهنالك يتجلى عليك ربك فيريك الحق ويرزقك ذلك المطلب العالي وتلك المشيئة الطيبة في الاستقامة.

فإذا ذُكِّرت في القرآن ذكرت واتَّعظت {.. وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} سورة غافر (13).

والكلمة الفصل بالتسيير والتخيير وهل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر هو أن الإنسان مخيَّر إلى أقصى حدود الاختيار، بل له الاختيار كله ولكن لا حول له ولا قوة بل الحول والقوة لله وحده، فالإنسان يختار ويصمِّم والله يسيِّره لتحقيق اختياره بالتمام وعلى حسب صدق الإنسان في الطلب، الإنسان يختار ويطلب والله يطلقه ويمده لتنفيذ وتحقيق طلبه.

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا،كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} سورة الإسراء (18-20).

والحمد لله رب العالمين
هذا البحث الفريد من علوم فضيلة العلامة الكبير محمد أمين شيخو


23 أبريل 2010
هل الإنسان مسير أم مخير في العمل ونوعه؟

إن من ينظر نظرة تأمل وتمحيص في هذا الكون الواسع العظيم من صغيره إلى كبيره يجده على غاية من الإتقان والإبداع، كل ما فيه مسخَّر خادم لمخلوق واحد في جوف هذا العالم اللا متناهي بالنسبة له، ألا وهو الإنسان، فالإنسان كما نراه هو السيد المتصرِّف، يكشف أسرار الطبيعة ويسبر أغوارها ليستطيع إلى حد ما تسخيرها لرغباته وأغراضه كما أننا نلاحظ أن المخلوق الوحيد المتطور هو الذي يحمل فكراً جباراً يحلِّل ويركِّب فيعود بنتائج شتى.
فلا مخلوق سواه يستطيع الاستقراء والاستنتاج والتطور، بل على العكس نرى جميع ما حولنا من مخلوقات تقوم بوظائفها التي خلقت لأجلها وتتقيد بتصرفات ضمن غرائز فطرية أزلية طبعت على صفحات نفوسها، فمثلاً لا نجد مطلقاً ثعلباً ينحو منحاً إنسانياً في معاملته للدجاج، وليس ثمة هرة تربطها بالفأر علاقات الود والصداقة، فالغريزة تسيطر على الهرة لافتراس الفأر دون أي تأخر أو تراجع أو نظرة صغيرة في هذا الموضوع.

كما أننا لا نرى ذئباً يرعى قطيعاً من الخرفان، بل يستحيل حصول ذلك إلاَّ عند كلب وفي، فجميع هذه المسالك لتلك الحيوانات لا تتبدل ولا تتحول ولا تتطور خلال الزمن مهما طال، فلم نرَ على سبيل المثال دجاجة تسبح في بركة ماء، بل هذا عمل البط منذ كان نقفاً لتوه قد خرج من بيضته، تراه يسبح بمهارة وإتقان عجيب.

بالمقابل ترى البط عاجزاً عن القيام بما تقوم به الحيوانات الأخرى كالافتراس مثلاً والصيد أو الحراسة. كما أن هذه الحيوانات التي تقوم بهذه الأعمال عاجزة على أن تعمل ما تعمله النحلة من هندسة خليتها وجمع العسل من الأزهار...

نعم إن كل مخلوق مسير لما خلق له وضمن نظام غريزي يعمل ولا مجال للإبداع أو الابتكار، بل روتين وتكرار يقوم به طوال حياته دون تعديل أو تغيير.

إنها الإلهامات الإلهية التي سخرت جميع ما في الكون لخدمة مخلوق مكرم على جميع المخلوقات وهو الإنسان، فالشمس تشرق وتغيب بوقت معين في كل سنة ولا تحيد عن مسارها قيد أنملة، كذلك تسعى جاهدة لخدمة هذا الإنسان.

مما سبق من تأملات نجد أن الكون على غاية من الدقة والنظام يسير ضمن قوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، حركة هادفة، خيرة، متعاونة، ومتكاملة تسعى ضمن مسارات دائرية تقريباً، تبدأ من حيث تنتهي، فالنبات والشمس والقمر وغيرها تعود من حيث بدأت، ويبقى المصير لغزاً لكنه ليس مبهماً ولا مكتّماً، بل يُضّل به كثيراً، ويهدي به كثيراً.

ولعلَّك تقول: ما المراد من كلمة: {..يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً..}؟

هذه النقطة الهامة كانت موضع أخذ ورد في قرون مضت، وقد ضلَّ بسبب عدم فهمها أناس كثيرون، وتزندق آخرون.

فأما (الجبريـة) فقد ادَّعوا: أن الله تعالى قدَّر على الإنسان الوقوع في الأعمال الخيِّرة والشريرة وأن العبد مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار والثواب والعقاب جبر.
وما مثل الإنسان في كونه مجبوراً على الكفر والمعصية إلا كمثل الريح تهب على العشب (الحشيش) فتقلِّبه يميناً وشمالاً، أو كالورقة تذهب بها الرياح حيث تشاء. قالوا ذلك ليتوصلوا من هذا الطريق إلى تبرير أعمالهم المنحطة والانغماس في شهواتهم الدنيئة وادَّعوا أن لا ذنب لهم ما دام الله تعالى هو خالق الأعمال واستندوا إلى آيات كثيرة ضلُّوا عن فهمها الصحيح فاستشهدوا بها خطأً وفسَّروها تفسيراً باطلاً.

وأما الآخرون وهم (المعتزلـة) فقالوا: إن الله لا يحب الشر والفساد، وقد أرادوا أن ينزِّهوا الله تعالى عن الظلم فزعموا أن الإنسان هو خالق أعماله، والرب منزَّه عن أن يضاف إليه شر أو ظلم وفعل وذلك هو كفر ومعصية. فالعبد عندهم مستطيع باستطاعة نفسه، وأفعاله مخلوقة من جهته لا يحتاج إلى الاستطاعة من الله وقد وضع الله تعالى فيه القوة وهو مطلق في استعمالها وهو والحالة هذه مستحق على ما يفعله ثواباً وعقاباً.

وأنت ترى من خلال هذين الرأيين ضلال كل من الفريقين:

فالجبرية وقعوا في الضلال، إذ زعموا أن العبد مُجبر على الوقوع في الشر، وأنه لا حيلة له والأقدار جارية عليه فهو مكره على تنفيذ هذه الأقدار وليس له في رد ذلك قدرة ولا استطاعة ولا اختيار.

وردّاً على الجبريـة نقول:

لقد نفى تعالى ذلك نفياً قاطعاً بقوله الكريم: {..لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..} سورة البقرة (256). فلم يُكره أحداً على الطاعة كما لم يُكره أحداً على المعصية، وقولهم هذا محض افتراء لا أساس له من الصحة.

وإذا كان الإنسان كما يقول هؤلاء مجبراً على المعصية، ومستحقاً بالتالي على العذاب والعقاب، فلا ريب أن ذلك من الله تعالى محض الظلم والجور، والله تعالى منزَّه عن الظلم والجور، والاعتقاد بمثل تلك الاعتقادات الفاسدة كفر وضلال لأن الذي يسيء الظن بالله وينسب الظلم إلى الله كافر وهو لا يختلف عن إبليس في شيء، إذ قال: {...رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ...} سورة الحجر (39).

فقد اعترف إبليس بربِّه ولكنه نسب الظلم إلى الله وظنَّ أن الله تعالى هو الذي أغواه، كما لا يختلف معتقد هذه الاعتقادات الباطلة عن المشركين في شيء. 007jhu.gif:{...سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}.

فردَّ عليهم تعالى بقوله الكريم: {..كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ}. سورة الأنعام (148).

وكذلك (فالمعتزلـة) ليسوا على شيء من الصواب فيما زعموا، إذ قالوا: أن العبد بما وضع الله تعالى فيه من القوة قادر وخالق لأفعاله ولا يحتاج إلى الاستطاعة والقوة من الله.

ورداً على المعتزلة نقول:

إذا كان الله تعالى قد وضع في العبد القوة وجعله قادراً على خلْق أعماله فمعنى ذلك أن الله تعالى ترك القوي يعتدي على الضعيف، ثم إن الله تعالى كيف جعل في الناس قوياً وضعيفاً وبهذا جعل الناس يتسلَّطون على بعضهم بعضاً، أليس في هذا الاعتقاد أيضاً ما فيه من نسبة الظلم إلى الله، وكذلك فقد جعل هؤلاء المعتزلة للإنسان حولاً وقوة ولم يجعلوا مع الله إلهاً آخر فقط، بل جعلوا كل مخلوق قادراً وخالقاً. ولو أنهم أدركوا معنى لا إله إلا الله وأنه ليس لأحد في هذا الكون فعل وقوة إلا بالله لما وقعوا في هذا الشرك والضلال البعيد، ومع أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وهم يزعمون أنهم أهل العدل والتوحيد.

والآن وبعد أن بيَّنا طرفاً من اعتقادات أهل الضلال والانحراف الذين زاغت قلوبهم عن الحق بسبب عدم معرفتها بالله وانحرافها عن الطريق التي أرشدنا الله تعالى إليها في الوصول إلى الإيمان نستطيع أن نورد اعتقادات أهل السنة والجماعة وأن نفصِّل في تلك النواحي التي أشاروا إليها تفصيلاً يجعل الإنسان يفهم ما ورد في كتاب الله تعالى بما يتوافق مع العدل الإلهي والتوحيد الصحيح قولهم:

أن العبد مخيَّر يستطيع أن يختار ما يشاء ولهذا المعنى يستحق العقوبة أو الثواب، فمتى وُجِدَ من العبد العزم والقصد والاكتساب يحصل له من الله تعالى القوة والاستطاعة على الأعمال.

وهكذا فأنت ترى من خلال هذا الرأي الصحيح أن العبد مطلق في اختياره غير مجبر على الوقوع في فعل من الأفعال. أما الاستطاعة والقدرة فإنما هي بيد الله تعالى وحده وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

ولعمري ذلك هو التوحيد الصحيح الذي تفيده حقيقة (لا إله إلا الله).

وقد فصَّل بعض العلماء في هذه الناحية فقالوا أن للعبد جزءاً اختيارياً، والحقيقة أن للعبد الحريّة كلها والإطلاق في الاختيار ولكن على المستحق، ونفصِّل لك نحن هذا المعنى فنقول:

إذا وقع اختيار العبد المؤمن على القيام بعمل من أعمال البر والإحسان فلا ريب أن اختياره هذا يُنفِّذه الله تعالى له، ولكن العدالة الإلهية تقضي بأن يكون التنفيذ على شخص استحق هذا البر والإحسان. ولذلك يسوق الله تعالى المحسن للمحسن والطيِّب للطيِّب وينال كل امرئ بمقدار ما يستحق من العطاء.

وإذا وقع اختيار المعرض على القيام بعمل من أعمال الأذى والعدوان فلا ريب أن هذه الشهوة الخبيثة التي استقرَّت في نفسه بسبب إعراضه عن الله ودفعته إلى هذا الاختيار لا يكون تنفيذها إلاَّ على شخص استحق بسابق ما اكتسبت يده أن يقع عليه هذا الأذى والعدوان، فيُساق الظالم لنفسه للظالم لنفسه أيضاً:{...وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} سورة الأنعام (129).

والخبيث للخبيث ولا ينكح الزاني إلاَّ زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلاَّ زان أو مشرك: {الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُها إلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} سورة النور (3).

ويولِّي الله الظالمين لأنفسهم بعضهم بعضاً وكلٌّ ينال أيضاً بمقدار ما يستحق وينفّذ لكلِّ امرئٍ ما اختار على حسب ما تقرُّه تلك الإرادة الإلهية العليا المسيطرة في حكمها فوق الخلائق جميعاً فلا تنفِّذ إلا على حسب ما تقتضيه العدالة فتسوق المحسن للمحسن وتولِّي الظالم على الظالم والله يحكم لا معقِّب لحكمه وهو سريع الحساب.

ويؤيد ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف، إذ يقول: «.. واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لكَ، وإنْ اجتمعوا على أنْ يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضرُّوكَ إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ عليكَ». رواه الترمذي.

فَسِرْ بالخير ليُكتب لك ولا تَسرْ بالشرِّ لئلا يُكتب القصاص عليك.

ولا يظنَّن ظانٌّ أن هذه الكتابة ـ كما تزعم فرقة الجبرية الكافرة ـ كتابة قديمة أزلية فتعالى الله أن يكتب على الإنسان شيئاً لم يحرِّك به جارحة ولم يكن له فيه اختيار ولا إرادة، إذ لو كان الأمر كما يظنُّون، وأن الله تعالى كتب على أناس ضرّاً وأذى، وكتب لآخرين نفعاً وخيراً لكان ذلك من الله تعالى ظلماً وجوراً ولتنافى ذلك مع العدالة الإلهية تنافياً ظاهراً.
فهذا الإله العليُّ القدير الذي كرَّم الإنسان وحمله في البر والبحر ورزقه من الطيِّبات وفضَّله على كثير ممَّن خلق تفضيلاً، هذا الإله الذي نظَّم هذا الكون على أبدع نظام وجعل ما فيه مسخَّراً للإنسان، ثم أرسل له الرسل الكرام وأنزل معهم الكتاب وساق فيه من العبر والمواعظ والأمثال، ما يكون لهذا الإله أن يفعل ذلك كله ويكون قد كتب على طائفة من بني الإنسان الشقاء وكتب لآخرين السعادة والهناء، وهذا ما لا يرضاه أب لأبنائه، بل يبغي السعادة لهم جميعاً، ولله المثل الأعلى.

وكيف يكتب أم كيف يفضِّل ويميِّز أناساً عن أناس والخلْق كلّهم عيال الله وهم جميعاً عباده؟
لا شك أن من أوتي ذرَّة من منطق صحيح وتفكير سليم لا يرضى بهذه المعتقدات الفاسدة، بل إنما يردُّها لأول وهلة.

وهكذا فالحديث الشريف إنما يعني بتلك الكتابة ما كتبه الله على الإنسان من عمله مما اكتسبته نفسه. فكل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

وبناء على هذا فالحديث الشريف يبيِّن لنا في شطره الأول أن هؤلاء الذين طهرت نفوسهم وأصبحت صالحة لفعل المعروف والإحسان، هؤلاء الذين كتب الله تعالى في نفوسهم فعل الخير بسبب إقبالهم على خالقهم وصدقهم في مطلبهم لو اجتمعوا جميعاً على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك بسبب ما كسبته نفسك وما استحققته أنت بعملك الطيِّب.

وكذلك الأمر بالنسبة لأهل الأذى والشر ليس لهم سلطان عليك، ليسوا بمستطيعين أن يضرُّوك ولو اجتمعوا على ذلك إلاَّ إذا كنت قد قمت بعمل استحققت عليه ذلك الأذى وكُتب ذلك عليك من عملك.

ولعمري ذلك محض التوحيد وتلك هي العدالة الإلهية يتجلَّيان في قوله صلى الله عليه وسلم وهو خير من وصل إلى التوحيد الصحيح فشهد أن لا إله إلا الله ورأى العدل الإلهي جارياً على الخلْق جميعاً فليس لأحد فعل أو تصرُّف إلا على حسب ما تقرُّه العدالة الإلهية ويأذن به الله.
007jhu.gif: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} سورة يونس (107).

أقول: ويؤيد ذلك أيضاً ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم عن لسان سيدنا هود صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب قومه بما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {... إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ}: دبِّروا ما شئتم لا أعبأ بكم جميعاً ولا تستطيعون، فلا سلطان لكم علي أبداً.

السبب: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ.. }: الكلّ بيده {..مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}: ما من شيء إلا سيره بالله. {..إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: حيث أنه صلى الله عليه وسلم مؤمن بأنه طاهر ومستقيم على أمر الله بالتمام، عرف أن الله تعالى لا يسوق له شيئاً من الأذى على يد أحد، لذلك كان جريئاً وانتصر.

وآيات القرآن الحكيم طافحة بالأدلة التي ترجع الاختيار للإنسان في تقرير مصيرهم فكلمة (لعلهم) واردة في أكثر من مائة آية في مواضع شتى 007jhu.gif: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} سورة الأنعام (42).

إذاًً لا قضاءً مبرما ًًًًًًًًًًًًًَولا قدراً محتماً فلا إكراه في الدين فكلمة (لعلهم) تشير إلى منح كامل الاختيار للإنسان ذاته وعن فرعون 007jhu.gif: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} سورة طه (44).

أفلا تدل كلمة (لعله) الواردة بالآية بأن فرعون مطلق بمشيئته، فإما أن يتذكر ويخشى وإما أن يستكبر وينكر.

وبآيات كثيرة وردت: {..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} سورة البقرة (187).

{..وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} سورة البقرة (221).

أما إذا كان الإنسان مجبراً فما معنى إرسال الأنبياء والرسل؟
وما معنى آيات الذكر الحكيم من إنذار وتبشير؟!

أقول: إن الله يريد الهداية لهذا الإنسان عن طوع ودون إجبار لأنه لا يوجد ثمة فائدة يجنيها الإنسان إذا سيق إلى ما يكرهه بالقوة، إذ الهداية الحقة: أن تقبل عن طوع وبدافع ذاتي فالحرية المطلقة ملك الإنسان وهو حر في سيره إما الهداية أوالضلال 007jhu.gif: {..إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} سورة الإنسان (3).

فمن يكفر بالله فقد ضل نفسه عن الهدى وما ربح أبداً وكان حقاً على الله أن يمده بما يريده 007jhu.gif: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} سورة الاسراء (20).

إلا أنه لا ظلم في الكون والله بعدله فوق الجميع فلا يستطيع المعتدي أن يتسلط على إنسان طاهر مستقيم، بل هو أخسأ من ذلك.
إنما يُخرج الله له ما بنفسه على مستحق ظالم، فالسارق لا يسرق إلاَّ ممن سبقت له السرقة كذلك القاتل لا يقع جرمه إلاَّ على مستحق استوجب أن يموت قتلاً، والزاني لا ينكح إلاَّ زانية أو مشتركة وحُرِّم ذلك على المؤمنين، 007jhu.gif: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} سورة الأنعام (129).

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} سورة النساء (141).

فحكم العدالة في البرية ساري.

إذن العبد مخيّر يستطيع أن يختار ما يشاء ولهذا المعنى يستحق العقوبة أو الثواب، فمتى وجد من العبد القصد والاكتساب يحصل له من الله القوة والاستطاعة على الأعمال، 007jhu.gif في سورة يونس (25) {..وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}: كل من شاء، فمن سلك طريق الإيمان هداه الله.

007jhu.gif: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}: كل من طلب نال.

007jhu.gif في سورة عبس: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ}: أي فمن شاء أن تحصل له هذه التذكرة فعليه أن يذكر الله تعالى.

أقول: إن هذه الإرادة المطلقة التي مُنحها الإنسان لا يستطيع أحد أن يوجهها إلى جهة مهما جهد وتعب ما لم تتجه هي بذاتها أي النفس المخيَّرة فتعرف خيرها من شرها وما الأنبياء والمرسلون إلاَّ هداة ومذكرون 007jhu.gif: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} سورة البقرة (148).

أما الآية الواردة في سورة التكوير: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}: تدل بأن هذا البيان الذي أورده الله تعالى ذكر للعالمين لا يستفيد منه إلا من تطلبت نفسه سلوك طريق الحق وشاء أن يستقيم، وهذه الآية تبيِّن عدل الله في خلقه ورحمته بجميع عباده فهو لم يخص بفضله أناسا دون آخرين، بل جعل نيل الفضل الإلهي متوقفا على مشيئة الإنسان واختياره فكل من شاء وأراد إذا تلي عليه هذا البيان كان ذِكراً له وأثراً في نفسه.

ثم إن الله تعالى بيَّن أن مشيئة الإنسان في الاستقامة متوقفة على شيء واحد، فهذا الإنسان الحر في إرادته المطلق في اختياره، لا يشاء أن يستقيم إلا إذا وجد ربه منه صدقاً في طلب الحق وعزماً صحيحاً على الوصول إليه.

أما مجرد طلب الاستقامة خالياً من الصدق فلا يغني صاحبه شيئاً ولا يريه حقيقته لذلك 007jhu.gif: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}: أي أن مشيئتك أيها الإنسان بالاستقامة لا تصح ولا تتولد في نفسك إلا إذا رأى ربك منك صدقاً في طلب الحق، فإذا وجد فيك هذا الصدق رزقك تلك المشيئة (مشيئة الاستقامة).

إذن فالأمر بيدك أيها الإنسان فما دمت مستسلماً لشهواتك غارقاً في أوحالها غير طالب بصدق الوصول إلى الحق فلا بد أن شهوتك تظل حجاباً بينك وبين رؤية الحق، ولست تستطيع أن تتطلب ذلك الطلب العالي في الاستقامة وبالتالي لا تستطيع أن تتذكر ما جاءك به القرآن من العبر والآيات لأنك مريض القلب ونفسك ملأى بشهواتها الخبيثة ومن الخير لها أن تفرغ مما خالطها.

أما إذا أنت قمعت شهوتك بإقناع نفسك، وصدقت في طلب الوصول إلى الحق فهنالك يتجلى عليك ربك فيريك الحق ويرزقك ذلك المطلب العالي وتلك المشيئة الطيبة في الاستقامة.

فإذا ذُكِّرت في القرآن ذكرت واتَّعظت {.. وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} سورة غافر (13).

والكلمة الفصل بالتسيير والتخيير وهل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر هو أن الإنسان مخيَّر إلى أقصى حدود الاختيار، بل له الاختيار كله ولكن لا حول له ولا قوة بل الحول والقوة لله وحده، فالإنسان يختار ويصمِّم والله يسيِّره لتحقيق اختياره بالتمام وعلى حسب صدق الإنسان في الطلب، الإنسان يختار ويطلب والله يطلقه ويمده لتنفيذ وتحقيق طلبه.

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا،كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} سورة الإسراء (18-20).

والحمد لله رب العالمين
هذا البحث الفريد من علوم فضيلة العلامة الكبير محمد أمين شيخو


آخر الزوار


14 ديسمبر 2009 - 19:25

التعليقات
لم يقم باقي الأعضاء بكتابة تعليق لـ أبوعبدو.

الأصدقاء
لا يوجد أصدقاء.
نسخة خفيفة الوقت الآن: 7 September 2010 - 01:00 PM